في تحليل نشرته هورن ريفيو، تبحث الباحثة بيزاويت إشيتي في الدوافع الحقيقية وراء «اتفاقية الدفاع المشترك في مكة» التي وقّعتها السعودية وتركيا وباكستان، متسائلة عما إذا كان الاتفاق يستهدف احتواء إيران بالفعل، أم أنه يعكس تحولا أوسع في موازين القوى الأمنية في الشرق الأوسط. ووقّع ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في 7 أغسطس 2026 بمدينة مكة، اتفاقية دفاع ثلاثية تقضي باعتبار أي هجوم مسلح على دولة موقعة هجوما على الدول الثلاث.

 

ووفقًا لهورن ريفيو، تستند الاتفاقية إلى منطق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وتحاكي، بحسب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بند الدفاع الجماعي الذي يشكل أساس حلف شمال الأطلسي «الناتو». وتأتي الاتفاقية امتدادًا لاتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك الذي أبرمته السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، قبل أن يؤدي انضمام تركيا في 2026 إلى تحويل الترتيب الثنائي إلى هيكل أمني ثلاثي أوسع، يهدف إلى ترسيخ التعاون في التدريب المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية والصناعات الدفاعية.

 

اتفاقية مكة.. تحالف أمني يتجاوز مواجهة إيران

 

تعود جذور الاتفاق الجديد إلى ما هو أبعد من الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران التي اندلعت في فبراير 2026. فقد بدأت المفاوضات بشأن الإطار الثلاثي، بحسب فيدان، قبل نحو عامين وثمانية أشهر من توقيع الاتفاق، فيما تحدث مسؤولون أتراك عن قرابة عامين من المشاورات الهادئة بين العواصم الثلاث.

 

وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة لأنها تضع نشأة التحالف قبل التصعيد الأخير مع إيران، ما يعقد الرواية التي تختزل الاتفاق في كونه ردًا مباشرًا على التهديد الإيراني.

 

وتختلف اتفاقية مكة عن محاولات سابقة لبناء أطر أمن جماعية في المنطقة، مثل حلف بغداد عام 1955 ومنظمة المعاهدة المركزية التي خلفته، فضلًا عن التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب واللجان الأمنية التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي. فقد افتقرت تلك الأطر، بدرجات متفاوتة، إلى التزام رسمي ومتبادل بالدفاع عن الشركاء، بينما توفر اتفاقية مكة تعهدًا صريحًا بالدفاع الجماعي جرى التفاوض عليه إقليميًا بعيدًا عن هيكل قيادة غربي.

 

ويحمل كل طرف من أطراف الاتفاق ورقة استراتيجية مختلفة. فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش دائم في حلف الناتو، إلى جانب قاعدة صناعات دفاعية متنامية تشمل الطائرات المسيرة والسفن القتالية والصواريخ، فضلًا عن خبرة عملياتية واسعة في سوريا وليبيا وبلاد الشام.

 

أما باكستان، فتملك القوة النووية الوحيدة العاملة في العالم الإسلامي، إلى جانب جيش كبير وقدرات انتشار عسكري واسعة. وتشير تقارير إلى نشر نحو 8 آلاف جندي باكستاني داخل المملكة، إلى جانب طائرات مقاتلة وطائرات مسيرة ومنظومة دفاع جوي.

 

وتوفر السعودية، في المقابل، رأس المال، ومكانة احتضان الحرمين الشريفين، والقدرة الدبلوماسية على جمع الأطراف، فضلًا عن استضافتها أمانة الاتفاق وقيادتها المحتملة لتحالف بحري إقليمي أوسع.

 

السعودية وتركيا وباكستان.. تهديدات مختلفة ومصالح متقاطعة

 

لا تنظر الدول الثلاث إلى إيران وإسرائيل بالمنظور نفسه. فالسعودية تخوض منذ سنوات منافسة مع طهران، ارتبطت بحرب الوكلاء في اليمن وبأمن الملاحة في الخليج. وتصاعدت مخاوف الرياض بعد اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، حين تعرضت المملكة نفسها لهجمات إيرانية ومن حلفائها الحوثيين، ما هدد صادرات النفط وطموحاتها التنموية طويلة الأمد.

 

لكن القلق السعودي من إسرائيل يسير في مسار مختلف، ويعود إلى ما أظهره الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في سبتمبر 2025 من قدرة على انتهاك المجال الجوي لدولة خليجية دون تكلفة دبلوماسية كبيرة.

 

أما تركيا، فتبدو أولوياتها أكثر تركيزًا على إسرائيل. ورغم تنافس أنقرة مع طهران على النفوذ في شمال العراق وسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، فإن المواجهة الاستراتيجية التركية مع إسرائيل تتزايد. وتدعم أنقرة مشروع إعادة بناء دولة سورية موحدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وهو مسار يتعارض مع إسرائيل التي عملت على تفكيك جانب كبير من البنية العسكرية السورية بعد سقوط الأسد.

 

كما تفرض عقيدة «الوطن الأزرق» التركية، المعروفة باسم Mavi Vatan، رؤية أنقرة للحقوق البحرية والطاقة في شرق المتوسط، في مواجهة مجموعة من الدول تتصدرها إسرائيل في النزاع على هذه المناطق. ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت تركيا بأنها «إيران الجديدة»، متهمًا أنقرة ببناء محور سني معادٍ إلى جانب باكستان النووية.

 

وتتبنى باكستان موقفًا أكثر تعقيدًا؛ إذ لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وتحافظ على حدود حساسة مع إيران، وتعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الخليجية والتحويلات المالية. وفي الوقت نفسه، يمنحها موقعها كضامن نووي للتحالف فرصة لتعزيز حضورها الدولي.

 

وتشير هذه المواقف المتباينة إلى أن اختزال اتفاقية مكة في كونها أداة لاحتواء إيران وحدها لا يعكس الصورة كاملة. فقد قال هاكان فيدان صراحة إن إيران ليست هدف التحالف، وإن الدول التي لا تهاجم الأطراف الموقعة لا ينبغي أن تخشى الاتفاق.

 

من «ميثاق مكة» إلى «سداسي التحالفات».. سباق محاور في المنطقة

 

تبرز المؤشرات الأكثر وضوحًا على أن الاتفاق يتجاوز مواجهة إيران في التحالف الذي بدأت إسرائيل في تشكيله ردًا على التطورات الجديدة. ففي فبراير 2026، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما وصفه بـ«سداسي التحالفات»، الذي يربط إسرائيل بالهند واليونان وقبرص إلى جانب شركاء عرب وأفارقة وآسيويين لم يسمهم.

 

وقال نتنياهو إن هذا الترتيب يستهدف مواجهة محور شيعي متشدد تقوده إيران، وكذلك ما وصفه بمحور سني متشدد صاعد.

 

وتتقاطع مصالح أعضاء هذا الترتيب بصورة مباشرة مع أطراف اتفاقية مكة. فتتنازع اليونان وقبرص مع تركيا حول المطالبات البحرية في شرق المتوسط، بينما لا تحتاج المنافسة بين الهند وباكستان إلى كثير من التفسير. ويبدو هذا التماثل لافتًا، حتى لو ظل «السداسي» أقرب إلى إطار سياسي يجمع علاقات ثنائية قائمة بالفعل منه إلى معاهدة دفاعية على غرار الناتو.

 

وفي المقابل، وصف مسؤول إسرائيلي بارز اتفاق مكة بأنه تحالف موجه ضد إسرائيل، مشيرًا إلى تراجع قوة المحور الشيعي مقابل تنامي قوة المحور السني. ويعزز وصف الطرفين المتنافسين للتحالف الجديد باعتباره جزءًا من مواجهة بين محورين، النظر إلى الاتفاق باعتباره قوة موازنة لمنظومة إقليمية تتمحور حول إسرائيل، حتى وإن بقي «السداسي» الإسرائيلي حتى الآن أقل تماسكًا من اتفاقية مكة.

 

ولا تتوقف الطموحات الأمنية للتحالف عند الدول الثلاث. فقد أطلقت السعودية في الرياض، أواخر يوليو 2026، «مبادرة أمن البحر الأحمر»، بمشاركة ممثلين عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي. ووقعت 14 حكومة، بينها السعودية وتركيا وباكستان ومصر والكويت والبحرين وقطر والأردن واليمن وبنجلاديش ونيجيريا والسودان وجيبوتي والصومال، بيانًا مشتركًا لتأسيس التحالف، الذي يركز على حماية حرية الملاحة وشحنات الطاقة عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.

 

وتشير التطورات إلى بروز مجموعة أكثر ضيقًا تضم السعودية وتركيا وباكستان ومصر، تُعرف أحيانًا باسم «R4»، وتعمل على تنسيق مواقفها الأمنية بدرجات متفاوتة تجاه إسرائيل وإيران باعتبارهما مصدرين للمخاطر الإقليمية.

 

وتكشف مصر بدورها حدود إمكانية توسع التحالف. فقد قال فيدان إن أنقرة تتوقع انضمام القاهرة إلى اتفاقية مكة بعد حل عدد محدود من المسائل الفنية، واصفًا مصر بأنها شريك طبيعي في مختلف القضايا، ومشيرًا إلى أن البلدين يتصرفان بالفعل كما لو كانا عضوين في تحالف واحد.

 

لكن القاهرة لم تنضم إلى الاتفاق عند توقيعه في 7 أغسطس، وقد تشمل العقبات التي أشار إليها فيدان معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، واعتماد مصر على المساعدات العسكرية الأمريكية، إضافة إلى تحفظ القاهرة على الالتزامات الدفاعية الجماعية التي قد تحد من هامش حركتها الاستراتيجية.

 

ومع ذلك، واصلت مصر وتركيا اتصالاتهما، إذ أجرى وزيرا خارجية البلدين اتصالًا هاتفيًا بعد أيام من توقيع الاتفاق لبحث الترتيبات الأمنية الإقليمية ومتابعة أعمال مجلس التعاون الاستراتيجي الذي أسسته الدولتان في القاهرة مطلع العام.

 

ويأتي ذلك كله في ظل تحول أوسع يتمثل في تراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط. وتعمل اتفاقية مكة، في جوهرها، على ترسيخ مبدأ مفاده أن القوى الخارجية لا ينبغي أن تتمكن منفردة من إعادة صياغة النظام السياسي والأمني في المنطقة.

 

ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان تراجع الدور الأمريكي سيقود إلى سباق أكثر خطورة بين قوى إقليمية متعددة، أم إلى توازن أكثر استقرارًا تديره دول المنطقة نفسها. وقد تكشف أولى الاختبارات الحقيقية لاتفاقية مكة أي المسارين سيغلب في المرحلة المقبلة.

 

https://hornreview.org/2026/08/12/the-mecca-pact-claims-iran-isnt-the-target-so-who-is/